الأستاذ عيسى بن سهيل الفلسطيني

من النصرانية إلى الإسلام بفهم السلف رضي الله عنهم

ولدتُ في عائلة نصرانية في فلسطين عام 1414 هجري (1993 نصراني) و بعد أن أنهيت الثانوية في فلسطين، سافرت إلى أمريكا للدراسة وأتممت الدراسات العليا في مجال الإقتصاد. وأثناء الدراسة في أمريكا هداني الله سبحانه وتعالى إلى الإسلام. قبل دخولي في الإسلام درست النصرانية دراسة مكثفة وأصبحت مطلعا اطلاعا واسعا على الشبهات والردود وعلى نصوص اليهود والنصارى بالعبرية واليونانية وغيرها من اللغات وأصبحت مطلعا كذلك على عقائد وفلسفات شتى وعلى شبهات الملحدين والمشككين. وظهرت لي من الأدلة والبراهين على صحة الإسلام ما لا يقبل الشك لكل عاقل منصف.

و بعد الإسلام يسر الله لي بفضله أن أكون متبعا للكتاب والسنة بفهم السلف رضي الله عنهم وأن أطلب ما تيسر من العلم الشرعي على الكتب والمراجع وعلى عدد من المشايخ الفضلاء الذين يحذون حذو السلف رضي الله عنهم كطلاب الشيخ الألباني وابن باز وابن عثيمين والشيخ مقبل رحمهم الله. ثم بدا لي أخيرا أن أنشر على هذا الموقع بعض ما ظهر لي من الحق لعل الله يجعل فيه نصرة للدين وفائدة لغيري.

مقدمة: الكتاب والسنة بفهم السلف رضي الله عنهم

قال الله تعالى ذما لليهود: مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ . قال السعدي رحمه الله مفسرا: "{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } إما بتغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك"

كثير من المسلمين اليوم يعلم تحريف اليهود والنصارى لدينهم. فما نزل موسى ولا عيسى عليهما السلام إلا بدين الإسلام ولكن اليهود والنصارى بتحريفهم خرجوا من الإسلام إلى الكفر. ولكن ما قد لا يعلمه كثير من الناس أن التحريف لا يكون مقتصرا على التحريف اللفظي. وهو تغيير كلمة بكلمة أخرى وحذف واضافة في كتاب الله بل كثير من التحريف هو تحريف معنوي. فالتحريف المعنوي هو تفسير كلام الله على معنى مخالف لمراد الله. ومن ذلك وجود صفات الرسول عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل ولكن يقوم اليهود والنصارى بتفسير النصوص على غير معناها الحقيقي وعلى غير مراد الله تعالى ليكذبوا ببعثته عليه الصلاة والسلام.

ولما عرف هذا من أحوال اليهود والنصارى تبين أمر مهم قد يغفل عنه وهو أنه لا يكفي فقط صيانة نصوص الكتاب والسنة من التحريف اللفظي بل وجب كذلك فهم نصوص الكتاب والسنة فهما صحيحا يصونها من التحريف والتبديل الذي يحصل من طريق الفهم. ولذلك أوصانا الرسول عليه الصلاة والسلام بضرورة ضبط فهم نصوص الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رضي الله عنهم وهم القرون الأولى المفضلة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين واتباعهم. كما جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: فإنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ. وجاء كذلك: خَيرُكُم قَرني، ثُمَّ الذينَ يَلونَهم، ثُمَّ الذينَ يَلونَهم. وأرشدنا الرسول عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى بوجود طائفة من المسلمين ظاهرة على الحق في كل زمان: لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ -وفي روايةٍ- وهم كَذلك. وجاء في الحديث الأخر أن هذه الطائفة هي الفرقة الناجية المتمسكة بالإسلام الصحيح لفظا وفهما وهذا الفهم هو فهم القرون الأولى المفضلة: افترقتِ اليهودُ على إحدَى وسبعينَ فرقةً , وافترقتِ النصارَى على اثنتَينِ وسبعينَ فرقةً , وستفترقُ هذه الأمةُ على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً كلُّها في النارِ إلا واحدةً، قيل : من هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : مَن كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابِي. ومن هنا يعلم بصريح الأحاديث أن في كل زمان طائفة من المسلمين ظاهرين على الإسلام الصحيح وصفتهم بالضرورة أنهم يتحرون ضبط فهمهم للنصوص بفهم السلف رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان. وجاءت آيات كثيرة توجب على كل مؤمن اتباع ما عليه هذه الطائفة من فهم لدين الله سبحانه وتعالى كقوله تعالى: الطائفة فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137). وقوله تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115). والمؤمنون بالآيات هم الصحابة رضي الله عنهم وكل من اعتقد في مسألة من مسائل الدين خلافهم كان مخالفا لهم. ومن أبرز ائمة السلف في زماننا المتأخر هم الشيخ ابن باز والألباني وابن عثيمين رحمهم الله. وقد لخص الألباني رحمه الله وجوب رجوع الأمة علماء ومقلدين الى فهم السلف رضي الله عنهم بما يعرف ب"التصفية والتربية":

"وأنا أعني حينما أقول بالتصفية: تصفية الدين مما دخل فيه من كل جوانب الدين , سواء كان الدخيل في العقائد أوفي العبادات أوفي الأخلاق والسلوك أو في غير ذلك من جوانب الدين الكثيرة ومن ذلك ما هو الأصل الثاني من الشريعة الإسلامية ألا وهي السنة فقد دخل فيها كما تعلمون كثير من الأحاديث التي لا صلة لها بنبينا عليه الصلاة والسلام بل هي مفتراة عليه لا بد من إجراء مثل هذه التصفية العامة وذلك يتطلب قيام ألوف لا أقول مئات فضلا عن عشرات العلماء بل ألوف العلماء في كل البلاد الإسلامية أن يقوم كل منهم بواجب تخصصه بتصفية الإسلام مما دخل فيه هذا يصفي العقيدة من أدرانها ومن الشركيات التي دخلت فيها ومن الانحرافات التي سلطت باسم التأويل عليها ونحو ذلك وذاك يقوم بتصفية كتب التفسير مما فيها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات المكذوبة التي لا يليق بالمسلم أن يرويها وما أكثرها والثالث يقوم بكذا وكذا إلى آخره حتى يعود الإسلام بهذه الجهود المباركة المتكاتفة إلى نقائه الأول هذا لابد منه.

ثم الشيء الثاني الذي أعنيه بكلمة التربية ينبغي أن يقترن مع هذه التصفية تربية المسلمين على هذا الإسلام المصفى أنا أقول آسفا مصرحا هناك صيحة وهناك صحوة علمية ولكن ليس هناك إصلاح أخلاقي وتقويم سلوك المسلمين حتى طلاب العلم منهم فضلا عن غيرهم حتى الذين ينتمون إلى السنة وإلى العمل بالحديث، فنجد شكاوى كثيرة من كثير من أفرادهم، من ذلك مثلا أن بعضهم لا ينهض لصلاة الفجر كسلا ولا مبالاة كذلك قد لا يهتم بعضهم بإقامة الصلاة مع الجماعة وهو مسلم يصوم ويصلي ولكنه لا يهتم بتحقيق هذه العبادة مع جماعة المسلمين هذا مثال قريب ومشاهد مع الأسف بين كثير من المسلمين"
كتاب جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى (1\388)

فواجب العلماء والدعاة السعي الدائم لتصفية علم المسلمين مما يخالف فهم السلف الصالح ووجب على المقلدين أن يقتدوا بهؤلاء المجددين. ومن أكبر الفتن التي تواجه الامة في هذا الزمان التفريط بواجب التصفية والتربية والعدول عنه الى مناهج أخرى مخالفة لمراد الله سبحانه وتعالى. وإنما السبب في هذه الفتنة هو تسلط الكفار على بلاد المسلمين من خلال الاستعمار العسكري والاقتصادي والفكري. فظهرت أفكار مجتمعية وأحزاب سياسية تدعو الى وحدة المسلمين والسعي في الإعداد المادي بقصد تمكين المسلمين. فلابد أن يعلم أن من ضبط فهمه لنصوص بفهم السلف رضي الله عنهم يعلم بالضرورة أن الله سبحانه وتعالى جعل تمكين المسلمين ووراثتهم الارض وسيلة لإقامة شرع الله وليست مقصدا في ذاته. في جاء في الآيات: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55). فلفظ الآيات صريح أن هذا الدين الذي يمكن له هو الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى. فمن جهة يكون التمكين للمؤمنين الذين هم على الدين بفهمه الصحيح أي بفهم السلف رضي الله عنهم ومن جهة أخرى إنما يكون ذلك التمكين وسيلة لإظهار دين الله سبحانه وتعالى الحق غير المبدل وجزاء لإحسان هؤلاء المؤمنين وليس مقصدا في ذاته. والآيات والأحاديث التي دلت على هذا المعنى كثيرة ومتظافرة كما بين ذلك الألباني رحمه الله في أشرطته وكتبه. فلما كان مقصد الأحزاب السياسية تمكين المسلمين انشغلوا عن الأصل الذي هو التصفية والتربية و جعلوا دعوتهم تصب في عقد الولاء والبراء على مسمى الإسلام دون معناه بغرض توحيد المسلمين. فأصبح شعار توحيد الكلمة سببا في ضياع كثيرا مما يترتب على كلمة التوحيد.

وغلط أخرون باعتقادهم أن الرجوع إلى الإسلام الصحيح هو الالتزام بأعمال الجوارح من صلاة وصيام ونحوها على الفهم المتوارث للإسلام سواء وافق الاسلام الصحيح - بفهم السلف - او خالفه. أي التربية دون التصفية. وهذا أيضا سوء فهم لأن التمكين انما هو للطائفة المنصورة المتمسكة بفهم السلف رضي الله عنهم وذلك لأن الدين ان كان مشوبا بالبدع والخرافات والأقوال الشاذة لا يكون في حقيقته الدين المستحق للتمكين الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى لعباده.

ما المقصود بفهم السلف وما الفرق بينه وبين الظاهرية في فهم النصوص؟

المتتبع لأقوال السلف رضي الله عنهم من القرون الأولى المفضلة ومن تبعهم بإحسان الى زمننا هذا لا يخفى عليه أن الأصل في فهم دين الله سبحانه وتعالى يؤخذ من ظاهر النصوص. فالله سبحانه وتعالى أنزل هذا القراّن بلسان عربي مبين وأرسل الرسول عليه الصلاة والسلام ومن قبله من الرسل بلسان قومه ليبين لهم الحق بالحجة الواضحة التي لا تقبل التأويل. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ {إبراهيم:4} والآيات في ذلك كثيرة متظافرة.

ولكن العالم بأحوال السلف رضي الله عنهم يعلم أنه قد يفهم سلفنا رضي الله عنهم أمور الدين فهما مغايرا لما تدل عليه ظواهر بعض النصوص ابتداء وقد يعدلون عن الظاهر لصارف صحيح أو علة وقد دل على وجود هذه الدلالات الخفية النص الصريح عن الرسول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فالمقصود بفهم السلف رضي الله عنهم يكون بمتابعتهم في الأخذ بالظاهر وكذلك التوقف عن الأخذ به حيث وقفوا رضي الله عنهم حيث أثر عن بعض السلف أنه قال: ( قِفْ حَيْثُ وَقَف القَوْمُ ، فإنَّهم عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا ، وَبِبَصَرٍ نافِذٍ كَفُّواْ ولَهُمْ على كَشْفِهَا كَانُوا أَقْوَى ، وبالفَضْلِ لو كانَ فِيهَا أَحْرَى ، فَلئِنْ قُلْتُم : حَدَثَ بَعْدَهُم ، فَمَا أَحْدَثَهُ إِلاَّ مَنْ خَالفَ هَدْيَهُمْ ، ورَغِبَ عن سُنَّتِهِم ، وَلَقدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَشْفِي ، وَتَكَلَّمُواْ منه بِمَا يَكْفِي ، فَمَا فَوْقُهُمْ مُحَسِّرٌ ، وَمَا دُونهُمْ مُقَصِّرٌ ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهم قَوْمٌ فَجَفَوا ، وَتَجَاوَزَهُم آخرون فَغَلَوا ، وإنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَ ذَلك عَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ).

واعلم كذلك أنه لا يمكن فهم طريقة السلف رضي الله عنهم إلا باقتفاء أثر أئمة السلف في كل زمان كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم". فكما أن ألفاظ النصوص محفوظة بالسند المتصل الى الرسول عليه الصلاة والسلام فكذلك طريقة السلف في فهم النصوص محفوظة بطائفة ظاهرة على الحق في كل زمان واّخرهم مشايخنا الألباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله ومن نحا نحوهم. واعلم أخيرا أن ما تواطأ عليه أئمة السلف من أصول أهل السنة كان حجة دامغة. ولقد جمعت أهم ما وقفت عليه من أصول أهل السنة والجماعة في صيغة سؤال وجواب في قسم عقيدتي ومنهجي من هذا الموقع.